عمر فروخ

595

تاريخ الأدب العربي

أنّ الزمان الذي ما زال يضحكنا * أنسا بقربهم قد عاد يبكينا . غيظ العدى من تساقينا الهوى فدعوا * بأن نغصّ ، فقال الدهر : آمينا ! وقد نكون وما يخشى تفرّقنا ؛ * فاليوم نحن وما يرجى تلاقينا . لم نعتقد بعدكم إلّا الوفاء لكم * رأيا ، ولم نتقلّد غيره دينا « 1 » . ما حقّنا أن تقرّوا عين ذي حسد * بنا ، ولا أن تسرّوا كاشحا فينا « 2 » . بنتم وبنّا فما ابتلّت جوانحنا * شوقا إليكم ولا جفّت مآقينا « 3 » . نكاد ، حين تناجيكم ضمائرنا ، * يقضي علينا الأسى لولا تأسّينا « 4 » . حالت لفقدكم أيامنا فغدت * سودا ؛ وكانت بكم بيضا ليالينا « 5 » ، إذ جانب العيش طلق من تألّفنا * ومورد اللهو صاف من تصافينا . وإذ هصرنا فنون الوصل دانية * قطوفها ، فجنينا منه ما شينا « 6 » . ليسق عهدكم عهد السرور ، فما * كنتم لأرواحنا إلّا رياحينا . لا تحسبوا نأيكم عنّا يغيّرنا * إن طال ؛ ما غيّر النأي المحبينا . واللّه ، ما طلبت أهواؤنا بدلا * منكم ، ولا انصرفت عنكم أمانينا . يا ساري البرق ، غاد القصر واسق به * من كان صرف الهوى والودّ يسقينا « 7 » . ويا نسيم الصّبا ، بلّغ تحيّتنا * من لو على البعد حيّا كان يحيينا . يا روضة طالما أجنت لواحظنا * وردا - جلاه الصّبا غضّا - ونسرينا « 8 » . ويا حياة تملّينا بزهرتها * منى ضروبا ولذّات أفانينا « 9 » ،

--> ( 1 ) الدين : العادة ، السلوك . ( 2 ) الكاشح : المبغض . قرت عين فلان ( سكنت ) : أصبح مسرورا . ( 3 ) ما جفت مآقينا ( أطراف عيوننا ) : لم ننقطع عن البكاء . الجوانح : الأطراف . ما ابتلت جوانحنا : كانت الدموع تنهمر بكثرة على صدورنا ، ولكن حر صدورنا ( من الحزن على فراقكم كان شديدا إلى درجة كانت تجفف هذه الدموع فورا ) . ( 4 ) حين تناجيكم ضمائرنا ( حين نفكر بابتعادكم عنا ونتمنى قربكم من جديد ) . الأسى : الحزن . التأسي : الاقتداء بغيرنا ( لم يقض علينا الحزن لأننا نعرف محبين مثلنا عاملهم المحبوبون مثل المعاملة التي تعاملوننا بها الآن ) . ( 5 ) حالت : تغيرت . ( 6 ) هصر فلان الغصن : شده إليه ليقطف ثمره . ( 7 ) غاد ( اذهب باكرا ) . ( 8 ) أجنى فلان فلانا ثمرا ( أعطاه ، منحه ) . النسرين : الورد الأبيض . كنا قد نلنا منكم جميع أنواع السرور . ( 9 ) الضرب ( بفتح فسكون ) : النوع . الأفانين جمع أفنان جمع فنن : غصن ( صنف ، نوع ) .